الخميس، 31 يناير 2013

أسطورة النورس جوناثان ليفينجستون

من أوائل القصص التي قرأت والأقرب إلى قلبي، كاتبها طيار وكاتب ومحرر في مجال الطيران، والقصة بقدر ما تعبر عن شغف بالطيران وعشق مغامرات الفضاء، فهي كذلك احتفال بالخطأ البشري، وتقديس لكسر القوانين والقواعد، باعتباره المحرك الأول للتطور الإنساني.

تدور القصة حول مغامرات النورس جوناثان ليفنجستون في رحلته نحو الاكتمال، نكتشف فورا ولع جوناثان باكتساب مهارات جديدة في الطيران، وبينما تحيى النوارس وفقا لقانون الحياة اليومية في البحث عن لقمة العيش، راح جوناثان يبحث عن قدرات جديدة في جناحيه الضعفين، الارتقاء إلى ارتفاعات جديدة كان هدفه، ونتيجة سرعاته المجنونة وانحرافاته البهلوانية، كان ارتطاماته القوية ثمنا يدفعه بكل رضى متحملا ألامه في شجاعة وثقة، إلا أن ذلك لم يرق لوجهاء قبيلته، فقد أصبح سلوكه يهدد نمط حياة طيور النورس الذي اعتادته لقرون، وقبل أن يمتد تأثيره لأفراد آخرين، يتم استئصال جوناثان ونفيه إلى الصخور البعيدة عن السرب.


ويجد جوناثان في وحدته سبيلا لتحقيق أحلامه، ويكتشف أن الملل والخوف والغضب هو ما يجعل حياة النورس قصيرة، وفي الوقت الذي قضته النوارس الأخرى مرتعشة على الشاطيء، اجتاز هو مئات الأميال من شروق الشمس إلى غروبها عبر الضباب وفوق الرياح، وتعلم أسرار الطيران غير آسفا على الثمن.
وينتقل جوناثان إلى عالم آخر من النوارس من هم على شاكلته، يسعون يوما بعد يوم إلى الكمال، يتدربون ساعة بساعة على مهارات وأساليب جديدة في الطيران، ويصل جوناثان إلى قمة ادائه حينما يتعلم سر أسرار الطيران، وهو قدرته على تجاوز حدود قدراته، ولا يحدث ذلك إلا من خلال إيمانه بقدرته على الانتقال بسرعة الأفكار، أن يتخلص تفكيره من عبء جسده المادي ليتطيع الطيران عبر حدود الماضي والمستقبل، وبذلك يصل جوناثان إلى حدود لم يصل إليها نورس من قبل.
ويبدأ الجزء الأصعب من حياة جوناثان حينما يقرر أن يعود مع طلابه إلى السرب لينقل علمه إلى الطيور التي حاربته وطردته ذات يوم، آمن جوناثان بأن النورس الحقيقي ليس من يسعى لتحقيق اكتماله الذاتي فحسب، بل عليه أن يساعد الطيور الأخرى أن تكتشف في ذاتها توقها للحرية والانعتاق، ولم يكن أمامه إلا أن يصطدم بالشرائع مرة أخرى، فالنورس المطرود لا يحق له العودة للسرب مرة أخرى، يقترب جوناثان ورفاقه شيئا فشيئا من قبيلته، يستعرض أمام ألاف الطيور قدرات مجموعته في الطيران بسرعة غير محدودة واستعراضات إبداعية، ومن ثم يبدأ جيل جديد من النوارس الشابة في الإيمان بمبادئه والانضمام لفريقه وفقا لمبدأ أساسي وهو إيمانهم بقدرتهم على تجاوز حدود امكانات جسدهم وواقعهم، ويرفض جوناثان وصفهم له بأنه "ابن النورس العظيم"، أو أنه يسبق جيله بألف سنة، فالحرية أبدا موجودة لمن يسعى نحوها، وهي ملك لكل النوارس دون تمييز.

يقول الشاعر العراقي سعدي يوسف:
وحدكَ، أنت الحُرّ
تختارُ سماءً فتسميها
وسماءٍّ تسكنُ فيها
 وسماءِّ ترفضُها...
لكن عليك، لكي تعرف أنك حرُّ
وتظلَّ الحرّ...
أن تتثبتَ من موطئ أرضٍٍ
كي ترتفع الأرضْ
كي تمنح أبناء الأرضْ
أجنحةِّ...