ليس سرا أن نيتشه أصيب
بالجنون في نهاية حياته، إلا أن تهمة الجنون يسحبها العديد على حياته كلها، ويعود
ذلك إلى شخصيته غير الاعتيادية وأفكاره الغريبة عن عصره وطريقة كتابته المتميزة، فمجد
القوة وقضى حياته عليلا، واحتفى بالرقص ولم يكن يقوى عليه، سار عقله عكس اتجاه
عصره، فقد الثقة في العقلانية والتنوير والتقدم، هاجم معاصريه من الفلاسفة
والعلماء واتهمهم بالضحالة والسطحية، ولم يكن هذا هو السبب الوحيد لافتقاده القراء
والاهتمام، ولكن أسلوبه في كتابة الشذرات والحكم والفقرات المتشظية غير المترابطة
لم يكن معتادا آنذاك، وهو ما يعبر عنه نيتشه بقوله المشهور "لم يعد الوضوح
فضيلة.... نكتب لكي لا نُفهم".
وفلسفة نيتشه هي فلسفة
"اخلاقية" في طبيعتها، ليس بمعنى أنها تدعو إلى مكارم الأخلاق، بل إن نيتشه
يذهب عكس ذلك تماما، ولكنها أخلاقية بالمعنى الفلسفي، تدور السؤال حول طبيعة
الضمير البشري، كيف نشأ وتطور وما معاييره ومرجعياته، ويختصر نيتشه مذهبه الأخلاقي
كله في العبارة الشهيرة "اتبع نفسك تتبعني"، وبالتالي وعلى الرغم من
معارضة نيتشه للقيم والأفكار الدينية (بشكل محدد الاطار الأخلاقي اليهودي-المسيحي
للحضارة الأوروبية)، فإنها ليست ضد الدين تحديدا، بقدر ما هي دعوة للاختيار
الاخلاقي بشكل شخصي وفق معايير الفرد الذاتية، بشكل أساسي يعارض نيتشه "ثقافة
القطيع" و "أخلاق القطيع".
وتقوم فلسفة نيتشه على
التعارض بين أخلاق السادة وأخلاق العبيد، فالسادة سادة بفضائلهم والعبيد عبيد
أخلاقهم، وما يميز السيد عن العبد هي قدرته على الاختيار، بينما يقع العبد تحت
طائلة السائد والممارس واليومي والمتبع، فإن السيد هو القادر على العودة عدة خطوات
إلى الوراء وتأمل تلك الفضائل بشكل نقدي، قبل أن يقوم بصياغة شخصيته الأخلاقية
المتفردة، التي تؤطر لفعله المتميز.
وبينما أفعال السيد كلها
صادرة عن شخصيته وتعبر عنها، فإن العبد هو "مرتكس" أي أن شخصيته قائمة
على رد الفعل "الارتكاس"، ورد الفعل هنا ينبع عن نظرة العبد لطبيعة
العلاقة بينه وبين السيد، فالعبد هو محروم من القدرة على المبادرة أو القدر على
الفعل المستقل، كل أفعاله هي رد فعل لأفعال السيد، فإما أن يقوم العبد بالتماهي مع
شخصية السيد ويستنسخ أفكاره وقيمه، ويعبر عنها بشكل دقيق مارتن لوثر كنج في
مقارنته بين زنجي المنزل وزنجي الحقل، أو أن ينظر العبد إلى افعال السيد ويتبنى
عكسها، ويبني قيمه بالتناقض مع السيد، دون أن يكون قادرا حقا على يقيم نسقه القيمي
الذي يعبر عن ذاتيته الحقة والمتفردة.
لاريب أن فلسفة نيتشه فلسفة خطرة، من الصعب تبنيها أو الاعتماد عليها، لما فيها من معاني مضادة للايمان، إلا أن استطاع أن يتنبأ بتفسخ الحضارة الغربية بالشكل الذي عبرت عنه حركات بعد الحداثة، في شكل موجة لا ايمانية تتخذ من أوروبا مركزا لها، كما استطاع باستقصاءه الأخلاقي المتميز أن يكشف الكثير من الدوافع الأنانية وراء أكثر الأعمال غيرية، كما يتميز منهجه الفلسفي بوضعك كقاريء محل السؤال الأخلاقي، واجبارك على الدخول في مجابهة عقلية ليس مع الكاتب ولكن مع قيمك الذاتية، وما يثبت أمام الفحص فهو صلب وحقيقي ويمكن الاعتماد عليه، إن فلسفة نيتشه تجبرك على الوصول إلى غير ما انتهى إليه، وهنا تكمن روعة الإبحار فيها.

