الكتاب يشكل رحلة مستشرق في
أفكار الفلاسفة العرب الأوائل حول المدينة الفاضلة، والتي تمثل قمة فكرهم وغاية
مذاهبهم الاجتماعية والسياسية، فالفلاسفة العرب لم يعيشوا في أبراج عاجية كما هو
شائع، وإن لم يمارسوا العمل السياسي بشكل مباشر، فقد كانوا في قلب الحياة
الاجتماعية العاصفة، فالكندي امضى حياته في بلاط المأمون والمعتصم، والفارابي كان
من المقربين إلى سيف الدولة الحمداني، واشتغل ابن سينا وزيرا ومستشارا للسلطانين
شمس الدولة وعلاء الدولة، وكذلك ابن باجه في غرناطة وسرقسطة، وابن الطفيل هو
مستشار الخليفة الموحدي ابويعقوب يوسف، وخلفه ابن رشد شغل منصب قاضي القضاة
باشبيليه وقرطبة، وبالتالي كانت تصوراتهم للمدينة الفاضلة، وإن تعذرت عن التحقق،
كانت على قدر كاف من الموضوعية، وكانت تهدف في النهاية لتحقيق السعادة للناس
جميعا.
ويكشف الفارابي عن رؤية
نخبوية للمدينة متأثرا بأفلاطون، فيميز بين طبقة الحكام (مدبر المدينة، أهل
التجارب، أصحاب الرأي والتدبير، سواس البحر، رؤساء البر) وطبقة العامة (الرعية،
اجزاء المدينة وأصنافها)، ويرى في صلاح طبقة الحكام "ضمان رئيسي لسعادة
المجتمع" وبالتالي ضمان سعادة كل فرد فيه، ولا يرى الفارابي ضرورة لصياغة
دستور "ناموس" للشعب، لأن سكان المدينة الفاضلة يتمثلون الناموس في
انفسهم، فالمدينة الفاضلة في النهاية هي اجتماع الناس للتعاون على تحقيق السعادة،
وهو ما يتوقف على عاملين معرفة السعادة الحقة، والعمل وفقا لهذه المعرفة.
ويقدم أخوان الصفا مغامرة
روحية متميزة، فرسائلهم التي تتجلى فيها جوهر فلسفتهم، هي عبارة عن كتب تثقيفية
لأهل المدينة الفاضلة، فكان المثال الذي يصبون إليه هو مجتمع تختفي فيه العداوة
الناجمة عن الجهل والتعصب، لذلك سعوا لتأسييس مذهب شمولي يستند إلى مختلف التيارات
الفكرية باعتبار أن الحق موجود في كل دين، فانتقوا من التركة الانسانية الحضارية ما
يتناسب مع مذهبهم، ليصيغوا منهجا روحيا لا يميز بين غني وفقير أو عالم أو جاهل،
فأهل المدينة الفاضلة يتميزون بأخلاقهم الرفيعة وقدرتهم على التمييز بين الجميل والقبيح،
متى تحققت هذه الشروط أصبحت المدينة الروحانية قائمة، ولا حاجة بعد ذلك لرئيس أو
مشرع، بل العقل وحده هو "الرئيس على الفضلاء.
أما ابن سينا "الشيخ
الرئيس" فيرى في ممارسة السياسة شرطا أساسيا للسلوك البشري في المدينة الفاضلة،
فالانسان مخلوق اجتماعي، وتكتسب هذه المدينة العادلة شرعيتها من كونها مشروع
للمستقبل، يسعى لاقامة الاجتماع البشري النموذجي، وهو نتيجة لجهد كل المشاركين
فيه، لذلك فهي كيان اجتماعي يتطور باستمرار، وتتطور القوانين التي تنظم العلاقات
بين الناس وتتجدد وفقا لفاعلية الناس وحركيتهم.
ويقدم الكتاب مشروعين
علميين للبحث عن المعرفة الضرورية لحسن تنظيم المجتمع، أحدهما ابن رشد الذي صور المدينة
الفاضلة باعتبارها تحقيق للانسجام بين الشريعة الإلهية والسياسة العقلية، فقد كان
كفيلسوف وفقيه يبحث بشكل أساسي عن القوانين المسيرة لحياة الناس، والقائمة على
الإيمان بنقص الطبيعة البشرية التي لا يمكن التغلب عليها إلا من خلال الوحدة
والتعاون بين البشر، أما الآخر فهو ابن خلدون فقد ترك السعي للتأسيس مجتمع طوباوي،
وراح يبحث ويفسر قوانين نشأة وتطور وفساد المجتمعات، ليؤسس لما سيدعوه كونت فيما
بعد "بالفيزياء الاجتماعية" أو اخضاع المجتمع كموضوع للدراسة العلمية
"علم الاجتماع".
ولم يخل تاريخ البحث عن
السعادة من مشاريع فردية الطابع، فهاهو ابن باجة يصف الإنسان السعيد
"بالمتوحد الفاضل في المدينة الفاسدة" ، فالناس الذي ينطبق عليهم وصف
المتوحد "هم من لم يجتمع على رأيهم أمة أو مدينة"، وتختلف رؤاه وتصوراته
و أفكاره عن تلك الشائعة في عصره، وتتحقق له السعادة في الانعزال عن المجتمع
"ومصاحبة أهل العلم والاعتزال عمن سواهم"، في بحثه الدائم عن الحقيقة
التي تقابل ضلالات أهل المدينة الفاضلة، وبنفس الطريقة يرى ابن الطفيل أن السبيل
لتحقيق السعادة هو فردي محض، يخوضه الفيلسوف منفردا في بحثه عن المعرفة، أما
الآخرون "فلا سبيل لهم إلى الحكمة ولا حظ لهم منها".
الكتاب صغير الحجم (200
صفحة) إلا أنه ليس سهل القراءة كما يغري عنوانه، فهو ممتليء بالمصطلحات الفلسفية
القديمة، إلا أنه في نفس الوقت يقدم رحلة غنية في حدائق الفلسفة العربية، وإن كانت
تلك المباديء عصية على الواقع إلا أنها تقدم نماذج أصيلة للسلوك الإنساني القائم
على العقل والانفتاح المعرفي وحرية الرأي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق