ما يجعل كتاب الاعتبار يبدو
دائما "معاصرا" هو ذلك الاحساس الانساني الذي يبثه أسامة في كل الكتاب، لسنا
أمام الصورة التقليدية لابطال السير العظماء، الذين ينتقلون من نصر إلى نصر
ويهزمون العشرات بأكفهم المجردة، بل نحن أمام فارس ينتصر ويهزم ويأسر ويهرب لينتصر
ويهزم مرة أخرى، يشارك في مؤامرات الحكم لتصيبه بنارها بعد ذلك، ينظر إلى أعدائه
في احترام ويواجههم في شراسة أو يتجنبهم في ذكاء، يهادنهم فيصلى بالمسجد الأصى تحت
حماية فرسان الهيكل، ويخوض مغامرات ليلية لفك الأسرى من أيديهم، ولا يخجل أن يروى
سقوطه عن فرسه أمام مجموعة من الهواة أو فقدانه لنقود قد حمله الخليفة بها إلى
الجند، أو هزيمته من قزم أو انكشاف صديقه المغوار عنه في المعركة، فينزع الأسطورة عن
الفروسية ويدخلها في ثنايا الحياة الإنسانية.
والكتاب ملائم بامتياز
للقراء الباحثين عن قصص المعارك، ويقدم وجبة دسمة لشتى أنواع المغامرات الحربية،
فيسهب بن منقذ في ذكر الأبطال والشجعان من المسلمين والفرنجة، ويرسم مئات المشاهد
على أبواب الحصون وساحات الكر والفر، يستفيض في وصف المعارك الضخمة كما يفصل في سرد
الغزوات الفردية ومعارك العصابات، ويجمع كل تلك القصص الصغيرة إلى بعضها البعض ليصيغ
ملحمته الشخصية، ويؤكد وجهة نظر وفلسفته أنه في الحرب لا شيء مضمون، فلا كثرة
العدد ولا كثافة السلاح ومناعة الحصون تؤكد شيء، فقط شجاعة الفرسان وحسن التدبير
وحضور الذهن والاستعداد للقتال الدائم هو ما يجعل المرء ندا في كل معركة، وبصفته
كصياد محترف، يعلي من شأن مجابهة الأسود والنمور ويهتم بتفاصيلها.
ويقدم أسامة كذلك مئات
الصور الحية من الحياة العامة، الغلمان واللصوص والأطباء والمشعوذين والزهاد
والرعيان والعجائز والحرائر، عادات الناس وخرافاتهم ومآدبهم وحلهم وترحالهم، المدن
والشوارع والمساجد والأسواق والحمامات والأسوار والوديان والموانيء والقصور، والتنقلات
والأسفار ما بين الشام وبغداد والقاهرة، ليبقى الكتاب لوحة طازجة الألوان لعصر
أسامة ومعاصريه.
عصر صاخب وسيرك مجنون
للمعارك العسكرية والمؤامرات السياسية، إنه عصر الحروب الصليبية، عالم يغتال فيه
الوزراء خلفائهم، وينقلب فيه الأبناء على آبائهم، ويخوض الأخوة معارك طاحنة ضد
بعضهم البعض، يمسي الناس وقد عينوا أميرا، فيصبحون على خصمه حاكما لهم، وتذوق
الأميرات المرفهات طعم الأسر وتخضن غمار حياة الجواري، فيصبحن فيما بعد أمهات
لخلفاء وأمراء.
والمدهش في الكتاب هو تلك
النظرة المساواتية لكل البشر ، فالمرأة عنده مساوية للرجل في التدبير والشجاعة، وينظر
إلى الغني والفقير والأمير والجندي والخادم والفارس نظرة واحدة، ويقيمهم وفقا
لقواعد المروءة والشجاعة والحكمة والوفاء، كمعايير أساسية للسلوك الإنساني بغض
النظر عن طبقته أو مذهبه، وفي نظر أسامة، أيا ما كان الدين أو اللون أو العرق، فإن
الأبطال يبقون أبطالا.
وأسامة، يمر بهذا كله
متأملا، ويطالب قارئه بدون الحاح بالاعتبار، فلا حياة المخاطر قصرت عمرا، ولا طلب
الأمارة أفضى إلى سعادة، ولا القلاع حفظت الأرواح، ولا الفقر كان مدعاة للجبن، ومع
انقلاب الدول والأحوال يظهر معدن الناس، فليس الشجاع من اعتز بجنده، ولكن من واجه
مصيره لا يلوي، ففي مجابهة عواصف الدنيا وتقلباتها، ليس لك من مرتكز إلا مبادئك، كما
تدين تدان وعملك كله خيره وشره، مردود لك أوعليك.
يقول أسامة:
أنظر إلى صروف الدهر كيف
عودني
بعد
المشيب سوى عادتي الأول.
وفي تغاير صروف الدهر معتبر
أي حال على الأيام لم تحل.

i like it, its first time i know about that book :)
ردحذف