من الكتب ذائعة الصيت واسعة الانتشار والتي احدثت أثرا غريبا في التفكير العربي، فهو أول كتاب يترجم إلى اللغة العربية يقدم باستفاضة ومن خلال شواهد وأمثلة متعددة على الصهيونية المسيحية، والخلفية الدينية للسياسة الامريكية الداعمة لإسرائيل والتي تتمثل في الاعتقاد البروتستانتي في ضرورة تجمع اليهود في أرض الميعاد، حتى تتحقق القيامة الثانية للمسيح، أو عودة المسيح مرة أخرى والقضاء على كل اليهود من أجل إقامة مملكة السلام، أو حكم المسيح لعالم لن يكون فيه إلا اتباعه المخلصين من أبناء الديانة المسيحية.
وتقدم الكاتبة مدى سيطرة تلك الأفكار على الطبقة الحاكمة والنخب في أمريكا باعتبارها واحدا من محركات السياسة في أمريكا، ودور رجال الدين البروتستانت في حشد الدعم المعنوي والمادي لإسرائيل، واستغلال وسائل الاعلام لتلك النزعة الدينية في القضاء على أي محاولة للاعتراض على السياسات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، والهدف واضح، لابد أن تكتمل دولة إسرائيل ويعلو شأنها، ولابد أن يتم تجميع اليهود فيها حتى يمكن للمسيح أن يقضي عليهم مرة واحدة وإلى الأبد.
ويعيد الكتاب رسم خارطة أمريكا للمواطن العربي، فالشعب الأمريكي في معظمه شعب متدين، لا كما تم تصويره في الذهن العربي، والدوافع الدينية هي المحركة لسياساته الخارجية تجاه إسرائيل، وليس فقط المصلحة من وجودها كرأس حربة للإمبريالية الغربية في المنطقة، وعلى امتداد الولايات المتحدة، تنتشر ألاف الروابط والمنتديات والجمعيات الدعوية والنسائية التي تكرس جهودها في دعم تلك الفكرة
كما تستعرض نشأة الصهيونية المسيحية منذ نهايات القرن الثامن عشر وتطورها، وتبلورها حول فكرة رئيسة وهي تجميع اليهود في أرض الميعاد/ أرض الكتاب المقدس الذي دارت عليها أحداث التوراة والانجيل..فلسطين، والجدير بالاعتبار في هذه الفكرة هي أنها من أقصى الأفكار تطرفا في "معاداة السامية"، فهي تمجد اسرائيل وتكره اليهود، فهي تسعى لدعم إسرائيل ماديا وعسكريا لتحقيق هدفها وهو تجميع اليهود في مكان واحد تحت لواء قومي، ليس حبا في اليهود، ولكن تمهيدا لظهور المسيح الذي سيقضي على الشعب اليهودي بأكمله، باستثناء بعض الآلاف الذين سيؤمنون به من اليهود.
ولتحقيق ذلك، يصور الانجليون العسكريون منهم والدعاة، أرض فلسطين باعتبارها أرض بلا شعب، وتقدم الكاتبة مئات الشواهد والأحداث التي يبرز من خلالها جهل جمهور الأمريكيين (خلال الثمانينات) بالشعب الفلسطيني كأمة ذات قومية، وفي أحسن الأحوال كان يتم تصويرهم كشتات من شعوب كانت هنا، المسلمين منهم والمسيحيين على حد سواء، واغفال الأماكن الدينية الإسلامية والمسيحية من خرائط الزيارات السياحية، في مقابل الملايين التي تنهمر من رؤوس أموال الأثرياء الانجليين على المدارس الدينية اليهودية، وخصوصا تلك المعنية بتعليم شعائر الهيكل تمهيدا لاقامته على أرض بيت المقدس، تجاوزا لتلك الأدلة التاريخية التي تنفي وجود مثل ذلك الهيكل في تلك البقعة من الأرض.
وبدءا من ولاية الرئيس ريجان، كانت "هرمجدون" محرك أساسي في السياسة الأمريكية، و"هرمجدون" هي معركة نهاية الزمان بحسب الرواية الانجيلية، ووفقا لتأويلات الأنجيليين المتطرفين، هي معركة نووية ستدور بين قوى الخير بقيادة المسيح، وقوى الشر بقيادة الشيطان ذاته، وبالتالي فإن السعي لتطوير القدرات النووية من جهة، والاسراع بتوطيد وطن قومي لليهود من جهة أخرى، كانا محور سياسات الولايات المتحدة طوال تلك العقود، تمهيدا لظهور المسيح، أو وفقا لتعبير الكاتبة في كتابها التالي "دفع أو اجبار يد الله" على الإسراع في يوم الدينونة، التي ستقضي على اليهود وسائر البشر غير المسيحيين، وإقامة مملكة السماء الخاصة بمتبعي دين المسيح.
ذلك هو لب الكتاب، وهناك جزء تالي له "يد الله" وهو يأتي توطيدا لنفس الرواية وتوسيعا وتفصيلا لنفس الأفكار الأساسية، والكتابين موجودين بغزارة غلى الانترنت لمن يرغب في الاطلاع عليهما بشكل كامل، ولعل من المجدي أن نوازن بين ما ورد في الكتاب من أفكار أساسية وما هو جاري حاليا من تطورات على أرض فلسطين، ومنها:
- يهودية الدولة: وعلى الرغم من التحول في الخطاب الإسرائيلي العلماني الديمقراطي المزعوم، نحو خطاب ديني عنصري يقضي على وجود أي طوائف غير يهودية على أرض الدولة (مايزيد عن 2 مليون مواطن) يمكن ببساطة أن نلاحظ دعم الدوائر الساسية الأمريكية للفكرة
- محاولات تدمير المسجد الأقصى من خلال الحفريات والأنفاق المتزايدة، وكذلك محاولات السيطرة على باحات وأماكن العبادة في محيط المسجد والتي تتصاعد وتيرتها في الفترة الأخيرة
ولعل تلك بعض الشواهد الحالية، أما ما اعتقد أنه الأخطر، فهو الإيمان المتزايد بتلك الرواية المزعومة، والتي تنتشر بين طوائف واسعة من المسلمين والعرب، حيث يقوم بعض الكتاب باعادة صياغة الفكرة مع اضافة بعض الأحاديث والتفسيرات المشكوك فيها لاكساب الفكرة مشهدا اسلاميا، أو كما نشاهد من سلاسل فيديو مثل "سلسلة نهاية العالم" و"الواصلون Arrivals" والتي تعيد نفس الرواية الانجيلية لمعركة نهاية الزمان "هرمجدون" ولكن بعبارت إسلامية، والتأكيد على الفكرة من وجهة نظر إيمانية أسلامية، وهو ما يجد صدى واسع لدى قطاعات من الشباب المتعلمين للأسف، وترجع خطورة تلك الأفكار إلى الإيمان بضرورة تكون وطن ديني لليهود في فلسطين، وحتمية بناء الهيكل، كمعالم بارزة لنهاية الزمان، وهي مزاعم باطلة على حد علمي، وهي دعاوى تركن إلى الاستسلام الفعلي والعقلي لروايات مختلقة
إن العقل العربي الإسلامي في حاجة ماسة لتطوير خطابه النقدي في مقابل الروايات الانجيلية الأمريكية (الصهيونية المسيحية) وعدم تصويرها فوق حقيقتها باعتبارها القوى المسيطرة على العالم، وبناء مقولات علمية عصرية، قادرة على المواجهة والصمود وتفنيد الخرافات والأساطير
للاطلاع على الكتاب بجزئيه:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق